محمد جمال الدين القاسمي
227
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بقياسه على البيع . ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها ، مسندا إحلالها إلى معارضة آيات اللّه البينات ، بما يتوهمه من الخيالات - فقد كفر ثم ازداد كفرا . وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن . وهذا لا خلاف فيه ، فلا دليل إذا للمعتزلة على اعتزالهم في هذه الآية . واللّه الموفق . أشار لذلك في الانتصاف . قال في فتح البيان : والمصير إلى هذا التأويل واجب ، للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 276 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يذهب ريعه ويمحو خيره ، وإن كان زيادة في الظاهر فلا ينتفع به في الآخرة كما قال تعالى : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [ الروم : 39 ] ، وقال تعالى : وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [ الأنفال : 37 ] . وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي يكثرها وينميها وإن كانت نقصانا في الشاهد . فوائد : الأولى قال القاشانيّ : لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين . والمال الحاصل من الربا لا بركة له لأنه حصل من مخالفة الحق . فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي . إذ كل طعام يولّد في آكله دواعي وأفعالا من جنسه . فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة ، وإن كان مكروها فإلى أفعال مكروهة . وإن كان مباحا فإلى مباحة . وإن كان من طعام فضل فإلى مندوبات ، وكان في أفعاله متبرعا متفضلا . وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية . وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك . فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرمة المتولدة من أكله . فتزداد عقوباته وآثامه أبدا . ويتلف اللّه ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه وأولاده . فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو المحق الكليّ . وأما المتصدق فلكون ماله مزكّى يبارك اللّه في تثميره مع حفظ الأصل . وآكله لا يكون إلا مطيعا في أفعاله . ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعا به . وذلك هو الزيادة في الحقيقة . ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة اللّه لكفى به